حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
182
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
( البحث الثاني ) : إذا كانت العبادة تقوى فقوله « لعلكم تتقون » جار مجرى قوله : اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون واتقوا ربكم لعلكم تتقون . والجواب المنع من اتحاد مفهوميهما وخصوصا على ما فسرنا إذ المعنى يعود إلى قولنا صححوا نسبة العبودية لتتصفوا بصفة التقوى وهي الاجتناب عن المعاصي فقط ، أو هو مع الإتيان بالأوامر ، وأما قوله : هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً الآية . فنقول : فيه لفظ « الذي » مع صلته ، إما أن يكون في محل النصب بدلا من « الذي خلقكم » أو على المدح والتعظيم ، وإما أن يكون رفعا على المدح أيضا أي « هو الذي » ، وكلمة « الذي » موضوعة للإشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة . فقوله « جعل لكم الأرض فراشا » قضية معلومة فأدخل عليها « الذي » كي يتنبهوا للجاعل ويعترفوا به . والحاصل أنه تعالى عدد في هذا المقام عليهم خمسة دلائل : اثنين من الأنفس وهما خلقهم وخلق أصولهم ، وثلاثة من الآفاق جعل الأرض فراشا والسماء بناء والأمور الحاصلة من مجموعهما وهي إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات بسببه ، وسبب هذا الترتيب ظاهر لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه ، ثم ما منه منشؤه وأصله ، ثم الأرض التي هي مكانه ومستقره ، يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه ، ثم السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المبنيّة على هذا القرار ، ثم ما يحصل من شبه الازدواج بين المقلة والمظلة من إنزال الماء عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان من ألوان الغذاء وأنواع الثمار رزقا لبني آدم . وأيضا خلق المكلفين أحياء قادرين ، أصل لجميع النعم . وأما خلق الأرض والسماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة ، وذكر الأصول مقدم على ذكر الفروع . وأيضا كل ما في السماء والأرض من الدلائل على وجود الصانع فهو حاصل في الإنسان بزيادة الحياة والقدرة والشهوة والعقل ، ولما كانت وجوه الدلالة فيه أتم كان تقديمه في الذكر أهم . ( وهاهنا مسائل ) : الأولى في منافع الأرض : الفراش اسم لما يفرش كالمهاد لما يمهد والبساط لما يبسط ، وليس من ضرورات الافتراش أن يكون سطحها مستويا كالفراش على ما ظن ، فسواء كانت كذلك أو على شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع لعظم جرمها وتباعد أطرافها . ولكنه لا يتم الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في حيزها الطبيعي وهو وسط الأفلاك ، لأن الثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق ، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء ، والتحت ما يلي المركز ، فكما أنه يستبعد صعود الأرض